أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

27

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

بالنهار في صناعته . وإذا كان بالليل وتعشى ، جلس يستعمل الشراب . فإذا دب فيه الشراب يغني ويقول : أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر ولا يزال يشرب ، ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، والإمام أبو حنيفة يسمعه كل ليلة . وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله . ثم أنه فقد صوت جاره ليالي فسأل عنه ، فقيل له : قبضه أصحاب العسس منذ ليال . فلما صلى الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه صلاة الفجر من غده ركب بغلته وأتى دار الأمير ، فاستأذن عليه فقال : أئذنوا له وأقبلوا به إليّ راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط . ففعل به ذلك ، فتلقاه الأمير وأجلسه في مجلسه ، وقال : هل من حاجة ؟ فقال : نعم . جئت لأشفع في جاري ، فقال الأمير : أطلقوه وأطلقوا كل من أخذ في تلك الليلة ، فأطلقوهم . ثم ركب الإمام أبو حنيفة بغلته وخرج الإسكافي يمشي وراءه ، فقال له الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه : هل أضعناك ؟ فقال : بل حفظت ورعيت ، فجزاك اللّه خيرا عن حرمة الجوار . ثم تاب إلى اللّه تعالى ولم يعد إلى ما كان يفعل . قيل : أنه صار بعد ذلك من أصحاب أبي حنيفة رحمه اللّه في الفقه . وإذا عرفت هذه الكنايات والروايات ، وكيف كان توقير العلماء في الزمان الأول ، فأنصف من نفسك يا أخي . هل بقي من توقير العلم والعلماء شيء أصلا ؟ فإن اعترضت ، وقلت : لم يبق مثل هؤلاء الأعلام في هذه الأيام ، فلا يليق بهم التوقير ، فنقول : أما قولك ، لم يبق مثل هؤلاء العلماء ، فمسلم ، وأما قولك لا يليق بهم التوقير ، فما يحق عليه الكير ، لأن التوقير لأجل العلم ، فلا تقصر أنت في حقهم أن كنت تحب العلم ، وعدم كونهم أمثال هؤلاء ، ليس عليك ، بل العهدة في ذلك عليهم . وبالجملة : حب العلم يوجب توقير كل من انتسب إليه ، وإلا فلست من المحبين له . ومن تعظيم العلم : تعظيم الكتاب ، حتى لا يأخذه إلا بالطهارة ، ولا يمد